الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
52
انوار الأصول
بخلاف الخاصّ فإنّه مع قيد الوجود أيضاً لا يحكي إلّا عن بعض أفراد العامّ ، فتأمّل جيّداً . فظهر من جميع ما ذكر أنّ الصحيح إمكان الأقسام الثلاثة الأولى من الوضع دون الرابع . 4 - المعاني الحرفيّة لا إشكال في وجود القسم الأوّل والثالث من الأقسام المذكورة للوضع ( أي ما إذا كان الوضع عامّاً والموضوع له عامّاً ، أو كان الوضع خاصّاً والموضوع له خاصّاً ) في الخارج ، فمن القسم الأوّل أسماء الأجناس ، ومن الثالث الأعلام الشخصيّة . أمّا القسم الثاني فقد وقع البحث في وقوعه خارجاً ، والمشهور على ذلك ، وعدّوا من مصاديقه المعاني الحرفيّة وما شابهها ، فينبغي البحث والتحقيق في حقيقة المعاني الحرفيّة لما يترتّب عليه في أبواب الواجب المشروط وغيره على قول بعض . وهذا البحث يستدعي نظراً كلّياً إلى الأقوال المعروفة والآراء الموجودة فيه قبل الورود في تفصيله . فنقول : هنا أقوال خمسة ننظر إليها إجمالًا ثمّ نتكلّم عن أدلّتها ونقدها تفصيلًا : القول الأوّل : أنّ الحروف لا معاني لها بل هي علامات للمعاني الاسميّة كالاعراب في الكلمات المعربة ، فكما أنّ الرفع مثلًا علامة للفاعل ، والنصب علامة للمفعول ، كذلك الحروف ، فكلمة « من » مثلًا علامة لابتداء السير في جملة « سرت من البصرة إلى الكوفة » و « إلى » علامة لانتهائه ، والقائل به « محمّد بن حسن الرضي » من أعلام القرن السابع في كتابه الموسوم بشرح الكافية ( وإن كان المستفاد من بعض كلماته القول الثاني الآتي ذكره ) والإنصاف أنّ صدر كلامه وإن كان يدلّ على القول الثاني فإنّه ذكر فيه « إنّ معنى « من » ومعنى « لفظ الابتداء » سواء ، إلّا أنّ الفرق بينهما أنّ لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر بل معناه الذي في نفسه مطابقة ، ومعنى « من » مضمون لفظ آخر ينضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي » كما أنّ ذيل كلامه قد يشعر بالقول الأوّل فإنّه قال : « فالحرف وحده لا معنى له أصلًا إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدلّ على أنّ في ذلك الشيء فائدة ما » « 1 » .
--> ( 1 ) شرح الكافية : ج 1 ، ص 10 .